عابد المصري. عمرو عابد ينتهي من تصوير مشاهد «القمر في آخر الدنيا»

بعد قليل حضر السائق وأدى التحية العسكرية وغادرنا مكتب الشرطة العسكرية وسار خلفى موجها لى إلى موقع وقوف السيارة ، ركبت السيارة وقادها الجندى متوجها شرقا في اتجاه القطاع ، كان الظلام يلف المنطقة فقد تعدى الوقت الساعة الثامنة مساء ورغم هذا كان ضوء القمر منتشرا ًمن حولى وبالتالى ُكنت أشاهد بعض المناظر الطبيعية للأرض المحيطة بالطريق وفي بعض الأحيان أشاهد وأسمع أصوات مياه البحر الأبيض حين يقترب الطريق من الساحل
صافحني واندفع خارجا من المكتب وقفز بداخل السيارة الجيب ثم أشار إلىّ فاتجهت نحوه مسرعا وهنا أمسك بكتفى بقوة قائلا ً: عايز عينيك تفضل مفتحه وودانك تفضل مطرقعه ورأسك مصحصحه لأن أولاد الملاعين اليهود شطار في الغدر كمان سجل كل اإللى يوصلك من عملائنا بعمق إسرائيل وسيب الرسايل بتاعتهم توصل ومش تعلق عليها وكل يوم تبعت ظرف بالمعلومات لمكتب مخابرات القنطرة شرق غادرت القاهرة مستقلا ًقطار الشرق والذي تحرك من محطة مصر في الصباح الباكر وعبر محطات كثيرة بدءًا من طوخ وقليوب وبنها ومنيا القمح والزقازيق وصولا إلى الإسماعيلية والتى ظل رابضا بمحطتها فترة طويلة انتظارا ًلموعد العبور من فوق كوبرى الفردان الذى يربط ما بين الضفتين الشرقية والغربية لقناة السويس

الهيئة المصرية العامة للبترول

.

18
روايه عابد المصري
كنت أستيقظ ليلا ًوأشاهد إحدى الفتيات تجلس قريبا منى تعمل على خدمتى أو تسرع بنداء أمها إذا حدث لى شئ طارئ تعجز عن التصرف به ، ُكنت أدعو الله بأن يعطى تلك الأسرة الصحة والسعادة والستر والسلامة فلقد كانت الأسرة تتميز بخلق قويم وتتمتع بقلب رحيم طيب العشرة ندية البشرة حسنة الخِلقة قريبة من الله ، كان الشئ الذى أثار انتباهى بعد أن أعاد الله إلىّ الحياة بأن سخر لى تلك الأسرة النبيلة هى حالة الثقافة البادية على جميع الفتيات ، ُكنت ألاحظ بأن أية فتاة تجلس تراقبنى ليلا أشاهدها وهى تمسك بكتاب تقرؤه على الضوء الخافت المنبعث من اللمبة الجاز نمرة "خمسة" ، كنت أعتقد أن هذا سببه الأول أن الامتحانات على الأبواب ولكننى تنبهت بأنه لا امتحانات في منتصف شهر يونيو سوى الجامعة أو الثانوية العامة ومن غير المنطقى أن تصبح الفتيات على أبواب الامتحانات حتى الصغيرة التي كانت تقوم برسم بعض لوحات بسيطة علي الورق
عمرو عابد ينتهي من تصوير مشاهد «القمر في آخر الدنيا»
وتنصهر من لهيبها القلوب
روايه عابد المصري
حاولت عمل كمدات مياه علي وجه وجسد فاروق ولكن "سَـلمان" نصحنى باستبعاد تلك الفكرة التي سوف تؤثر على صديقنا بالسلب من أثر ملوحة المياه ، كان واضحا شراسة وكفاءة وشجاعة فاروق سواء في اللقاء الأول حينما ساعد علي فك أسرنا أو أثناء اللقاء الأخير في بداية ليلة الأمس حين تبادل إطلاق النار علي القوات المهاجمة ، كان الشاب صلدا وهذا نابع من فطرته فهو من أبناء حي شبرا ، وهو من أهم أحياء القاهرة والذي كان يتميز شبابه بالشجاعة ومعاونة الآخر والدفاع عن الضعيف وحماية المستجير
لم أشعر بما يخبئه لى القدر فقد شعرت بأن بالمياه كائنات دقيقة وصغيرة تنهش في جسدى ولا أعلم ما هذا؟ هل هي قناديل البحر الحارقة للجلد والتي شاهدت من آثارها الكثير علي المصطافين من حالات احتراق للجلود ، عدت ونفيت أن تكون قناديل البحر حيث إن نشاطها صيفا أثناء النهار كما كنت أشعر بسكاكين تقطع بجسدى وتأكد لى بعد ثوان أنها أسماك خاصة من التى تبحث عن الدماء أو الجثث الغارقة ومهمتها تنظيف المياه من الكائنات النافقة ، أحاطت بى تلك الأسماك والتى تتحرك بأسراب تضم المئات ، لقد تأكد لى أنها أسماك من النوع القاتل التى تهاجم الأسماك الكبيرة الميتة وتقوم بالتهامها ، كنت أشبه بأى كائن يحتضر أو مات وتلتهمه أسراب النمل مثل ما كنت أشاهدها تهاجم دود القز الذى ُكنت أحتفظ به داخل علبة أثناء مرحلة الدراسة بالابتدائى حيث يهاجم الديدان ويقتلها ويقطعها إلى أجزاء صغيرة ينقلها إلى عشه استعدادا لفترة البيات الشتوى ، كنت أصرخ وأتألم ولكن من يسمعنى ومن يعمل على إنقاذى

الهيئة المصرية العامة للبترول

أرجو أن تستفيدوا من تجربته تلك فقراءة التاريخ عبرة ودرس وهي تعتبر من أهم دروس الحياة ؛ لأنها تجارب إنسانية حقيقية خاصة ما حدث منها أثناء الحروب والأزمات.

22
الهيئة المصرية العامة للبترول
ما أفزعنى هو مشاهدة الهياكل العظمية للزميلين بعد أن نجحت طيور النورس في التهام الجسدين ، كانت عظام يحيط بها احمرار وبقايا ملابسهم وبعض شعر بالرأس وأصابع اليدين ، لم أستطع أن أفرق شخصية كل واحد عن الآخر فقد التهمت طيور النورس الشهيدين بالكامل ، الآن علمت نهايتى المحتمة والقادمة ، ناجيت ربى بأن ينهى حياتى حتى أتخلص من هذا الألم النفسى والبدنى ، نظرت إلى المياه الهادئة الساكنة أعيد التفكير ، هل من الواجب علىّ القفز في المياه وأكمل طريقى سباحة حتى الشاطئ
روايه عابد المصري
عمرو عابد ينتهي من تصوير مشاهد «القمر في آخر الدنيا»
جلسنا نحن الثلاثة ننتظر ارتفاع منسوب المياه والذي بات واضحا أمامنا بأنه قد حدث حيث وصلت المياه إلي الرمال التي كنا نجلس عليها ولهذا كنا نبتعد عن الشاطئ عدة أمتار حتي وصلت المياه إلي المركب وبدا واضحا أن المركب يهتز وهذا يدل علي سهولة دفعه ، نهضنا وقمنا بدفعه إلى داخل المياه ، كانت سعادتنا كبيرة ولكن فجأة غمرت المنطقة أضواء ُمبهرة قام بها العدو فقد أقبل رجال الوحدة الإسرائيلية واكتشفوا ما تم مع زملائهم فسعوا خلفنا حتى عثروا علينا ، لم ينتظر فاروق ولو لحظة واحدة وتصرف بسرعة وأطلق نيران رشاشه علي الفور في اتجاه كشاف السيارة فعم الظلام وعم المكان سماع أصوات الرصاص المتبادل بيننا وبينهم